26-09-2007

أمنوس شاعر الحزن والمرارة



أمنوس شاعر الحزن والمرارة



د. جميل حمداوي







يعد أمنوس بلغدعبدالرحمان من أهم الشعراء الأمازيغيين الذين هاجروا منطقة الريف إلى هولندة

على غرار مجموعة من الشعراء الريفيين الشباب الذين لم يجدوا ما يسعدهم في بلدهم، فارتحلوا إلى الضفة المجاورة إما بحثا عن الحرية وإما رغبة في استكمال الدراسة وإما جريا وراء لقمة العيش التي توفر لهم الحياة الكريمة ومقومات الاستقرار المادي والنفسي.


ومن هنا، يمكن الحديث عن مدرسة شعرية أمازيغية نسميها مدرسة الاغتراب أو أدب المهجر أو شعر المنفى أو شعر الخارج في مقابل شعر الداخل. ومن شعراء مدرسة الاغتراب نستحضر: ميمون الوليد، ومحمد شاشا، وأمنوس، وكريم كنوف، ونجيب الزوهري، ومحمد والشيخ.
ومن سمات هذه المدرسة تجسيد المعاناة الإنسانية من جراء الاغتراب الذاتي والمكاني والإحساس بالظلم والتهميش والإقصاء ناهيك عن تجرع المرارة والحزن والألم.
ومن أهم شعراء هذه المدرسة الاغترابية الشاعر الأمازيغي الحزين أمنوس الذي سنقارب ديوانه الشعري الأول:" ءيزران ءوريري/أشعار المرارة" دلالة وصياغة ومقصدية.

1- مـــن هو أمنــوس؟
أمنوس هو شاعر أمازيغي من مواليد منطقة الريف، وبالضبط من أبناء مدينة الناظور التي توجد في أقصى شمال المغرب. درس الابتدائي والثانوي بمسقط رأسه، ثم تابع دراساته الجامعية إلى أن حصل على الإجازة في الأدب العربي. وهاجر بعد ذلك إلى هولندة سنة 1991م.
و أمنوس هو في الحقيقة عبارة عن لقب فني للشاعر نظرا لما يحمله هذا المبدع من هموم وأحزان بسبب ما يكابده من حرقة وغصة في بلده بسبب الفقر والبطالة والتهميش والتفاوت الاجتماعي والطبقي، وما يعانيه في المهجر من نبذ وطرد وتمييز عنصري.
وللشاعر دواوين شعرية صوتية كديوان" إزران ءوريري/ أشعار المرارة"، وديوان" ثيفراس/ الآثار". ويكتب أمنوس كذلك المسرحيات والسكيتشات كمسرحية" ءاودار/الضياع"، ومسرحية" جار رمراش ذرهراش/ بين الزواج والمعاناة"، وقد لقيت مسرحياته إقبالا جماهيريا كبيرا داخل أورپا.

2- المستوى الدلالي:
ينطلق الشاعر أمنوس من رؤية شعرية تراجيدية قوامها المعاناة والألم والمرارة وتجرع المأساة والثورة على الظلم الإنساني والاجتماعي، ناهيك عن تمزقه من شدة الاغتراب الذاتي والمكاني والصراخ في وجه القوى العاتية والبكاء على الطبقات المهمشة وخاصة وضعية الإنسان الكادح. وينشد الشاعر أغاني الضياع والفقدان والموت. وبالتالي، تتحول القصائد الشعرية عنده إلى مراثي جنائزية وسمفونيات حزينة ومواويل للبكاء والصراخ والنعي. أي إن الديوان مرثية للإنسان الأمازيغي ومرثية للزمن الأمازيغي المستلب الذي تنهشه الآهات والزفرات وتطحنه الذكريات السوداء وتفترسه الكآبة والهموم الثقيلة والمآسي الحزينة. ومن ثم، يطغى التشاؤم على الشاعر ويأسره اليأس والحنين والشوق إلى الوطن والأهل والأحبة من شدة الهجران والنفي والاغتراب الناتج عن الوحدة والتفرد والعزلة والخوف من المجهول.

ويجسد الشاعر في قصيدته" ءيمخومبار ن توذاث/ مشاكل الحياة" تناقضات الحياة في بلده الذي يعج بكثرة المفارقات والسلبيات، حيث يقصى المتعلمون، ويبهدل أصحاب الفكر والتنوير، ويطرد الشباب الضائع ويهجر قسرا في قوارب الموت، ويسيّد الجاهل، و يعظم أصحاب النفوذ والجاه، ويستلب الإنسان ويحول إلى رقم بلا روح ولا معنى.

أما الأغنياء فقد انقطعوا عن مجتمعهم المخصوص، وصاروا أعداء للفقراء المعدمين،أما نواب الشعب فقد تكلست عقولهم وخيبت آمالهم وسيجوا بالوعود وتسويفات الأمل الخادع وبريق النقد الزائف. وفي هذا يقول الشاعر:

وانّي ياغرين
زايظانت غار ءوجاماذين
وانّي غاثدجا ثزامار
ن دياناس ثيخشفين
واني يسغين ثفاوت
غزين ناس ثيسارفين
[i][i]

ويصور الشاعر في " توذاث ءو متلوع / حياة الإنسان الضائع" تجربته الفظيعة في أرض الغربة معلنا ثورته الصارخة على الوحدة والضياع في هذه القصيدة البكائية الحزينة التي تنم عن اندثار الشاعر وتشتته نفسيا ووجوديا . ويذكر الشاعر فيها المآل المأساوي الذي آل إليه من شدة البكاء والعزلة والتشرد وهجرة بلده بحثا عن الاستقرار والعيش الكريم ناعيا وطنه الذي لم يجد فيه ماكان يصبو إليه ولم يلف فيه سوى الإهانة والذل والعار. وبعد ذلك، يحن الشاعر متشوقا إلى حنان أمه وعطفها عليه، وترمز الأم هنا إلى الأرض التي تحيل بدورها على منطقة الريف.

ومن هنا، فالشاعر ملتزم بهويته وذاكرته الريفية يتغنى بالقضية الأمازيغية ويدعو إلى التشبث بالأرض والدفاع عنها. بيد أن الشاعر يحس بالغربة بين أبناء بلده الذين يكيدون له ليلا ونهارا على غرار ماعاناه يوسف عليه السلام من كيد إخوته الذين رموه في غياهب الجب ثأرا وحقدا:

ثارزاگ توذاث ءينو ثعادو مارو
طاريغ رحار خ ثزايات ذو گارو
ياما ذيها ثاكار خافي ثاترو
ءيحانجان تراجان ءاد روگحاخ سو بارو
مانيسما أكيغ ذي ثمورا ن ءوورو
قارنايي ءافاغ ءاميس مورو
ءادوراغ غارثمورثءينو دورو
ءايدكسان بورورو
توغ ث زادجيت ذ وايسي ن وورو
سناغ ءاجنا ءينو وا يطارو
ثوداث ءينو وا ثسين جوارو
ءور ن دوناشت يوزاغ ذازرو
[ii][ii]

ويستقطر الشاعر حبر المرارة وجرعة الكلمة ليجعل من الشعر أداة للتفجع والتحسر على ذاته الممزقة الضائعة بين أنياب الواقع المهترىء المتردي وواقع الهجرة المحبط طالبا أن تدون تجربته المريرة في أطراس البؤس والكمد الأسود، وأن تنقش صفحاتها في سماء الذاكرة الضائعة بين الآمال المستشرفة الزائفة واللمعان البراق الواهم:

ءاري
سءوبادي ءامازوار
ءيغّاس ن تميجا ءاذ ياغري
سوسوريف ءامزوار
ءاذزرزاغ ثاغيوري
سوذمان ذي ثيطاوين ءينو ءاريري
ءاري ءوسان ءينو ذدجياري
[iii][iii]

ومن أجمل قصائد أمنوس الشعرية"خساغ ءاذ سناغ/أريد أن أعرف"؛ لأنها تتخذ أبعادا رمزية وسياسية، وفيها يلتزم الشاعر بقضية الأرض والدفاع عن الإنسان الأمازيغي المستلب والمهضوم في حقوقه. يريد الشاعرفي هذا النص الشعري أن يعرف هويته وحقيقة وجوده في هذه الحياة. فماذا يملك الإنسان الأمازيغي في هذا الوجود إذا قورن بالمحظوظين الآخرين؟ لماذا يستعبد هذا الإنسان ويحاسب ويراقب حتى في عقر داره؟ ماذا ارتكب في حق الآخرين لكي يعامل بهذه الدونية والخساسة والاحتقار؟ لماذا يناوشه الكلاب أينما حل وارتحل في أرض الله؟

يدين الشاعر – إذاً- القمع السياسي ويرفض الاستبداد والتسلطن والقهر وتقييد حياة الإنسان الأمازيغي المفطور على الحرية والكرامة والأنفة، ويستنكر أيضا سياسة التهميش في حق هذا الإنسان الذي أصبح يحس بأنه لاقيمة له في هذا الوجود، وأنه إنسان منبوذ في أرضه التي نشأ فيها عبر ذاكرة الأجداد ومقاومة الآباء وتعاسة الأبناء:

ثنايي ثحانجاث
ءاخساغ ءاذسناغ
مايامي ذا يارّين تاناكاث
مايامي خافي جين
ءاهگار غار ثوارث
خساغ ءاذ سناغ
وايديجّين ءاجانا
وايديجّين تمارث
ءينايي:
غاري شا ن تسغارث؟
غاري شا فوس ذي ثوثارث؟
غاري شا سوريف خ ثمارث؟
[iv][iv]

وتبلغ المأساة بالشاعر حينما يعلن موت الإنسان الأمازيغي ويعلن إفلاسه الوجودي ونهايته المصيرية، وينعى المجتمع الريفي الذي لم يعد سوى مرتع للموت والتجهيل والتهريب والتهجير إلى بلاد الغربة عبر سراديب الموت ودهاليز التطهير والتصفية البشرية. ويستغرب الشاعر مما آل إليه الوضع في الريف الذي يديره سماسرة السراب وجهلة الجاه وأصحاب النفوذ:

مارا مين دناجا ءيروح
غارو يديذ ءوغامبوب ءوقادوح
ءيني زايناغ ءيغرين ذي دجوح
ناناسان ءاوار نوام وايتفوح
سويا ءيذوا ميس ن موح
ءيزوا خ تافراوت دودوح
واني ءيقيمين ءارينت ذامقجوح
ءاغارابو ءاناغ ءينادهيث ءوقافوح
[v][v]

ويصور الشاعر بشاعة الواقع المنحط في قصيدته الحزينة (ذي ثاگراولا ن ووغروم/ مجمع الخبز)، ويتلذذ فيها بالموت والخيبة والسقوط والانكسار وهزيمة الذات والمجتمع بسبب الظلم والصراع الطبقي والتفاوت الاجتماعي وانهيار القيم الإنسانية وتضعضع المبادىء الأصيلة وسيادة القيم الكمية وضياع الإنسان وتشرذمه في هذا العالم المدنس بالرداءة وموت القلوب وغياب الدفء البشري.
ومن القصائد الأخرى التي تشير إلى التفاوت الاجتماعي والصراع السياسي حول السلطة وصراع القيم البشرية وتطاحن الأهواء الإيديولوجية ما دبجه الشاعر في قصيدته" شا ءاذ شا":

شا غارس ءاجنا ءاس ثنعاشين ءيتروشا
شا غارس ءازادجيف سثاغيوري ءيبوشا
شا ءيزنوزا شا
شا ءيذوار ءيوماس ذ رفاخ ذو كاشا
شا ندياناس س ماشا
گوحبوظ ن تراشا
شايتات رباشا
شايتات ءاكشا
ناناسن ثكيمد ءابريذ ن لحبشا
ماشا
مارا ناناشا
ءاثناگ، ءاثناگ
ءاسا نيغ تيواشا
[vi][vi]

ولكن الشاعر يعقد الأمل على وحدة الناظور والحسيمة لكي تنصهر المدينتان المتقاربتان لغة وهوية وحضارة في بوتقة وجودية قوامها المحبة والمودة وجمع الشمل والاحتراس من الذين يرومون تمزيق هذه الوحدة ويحاولون النبش في النعرات قصد تركيع الأمازيغيين وتذليلهم. وخير من يجسد هذه الوحدة بين المدينتين المتجاورتين في منطقة الريف بطولة المقاومين الشهمين: عبد الكريم الخطابي الذي دوخ التكالب الإمبريالي العالمي في معركة "أنوال" الشهيرة، والشريف أمزيان الذي أذاق المستعمر الإسپاني غصة الموت المرير في معارك "أزغنغان":

ءات سنام ثارياست ءوريزيم
ءيسي ءومزيان ذ عبد الكريم
عماص ءاتوادا
ءور ن لحوسيما ذ ناظور
عماص ناتا ءاذيبادار
[vii][vii]

ويثور الشاعر على بلاد الغربة وأرض المهجر، ويصرخ في وجه هولندة الدولة المراوغة التي أكلت شبيبة الأمازيغيين فأرادت طردهم وإهانتهم والتخلص منهم حقدا وكراهية . وقد نسيت حالتها الأولى عندما كانت عبارة عن نفاية كبيرة، وملجأ للمعطوبين، وعظمة مشوهة تذرف دموع الندب والعجز والكهولة، فاستقدمت أبناء جبال الريف الذين نظفوها وحولوها إلى ورود وجنان الفراديس؛ ولكنها بعد ذلك أدارت لهم ظهرها رفضا واحتقارا وتقريعا:

ماني غام دوسين
توغا شام تازوباشت
فاظان شام ،زونشّام تانواشت
ءوفين شام ثقارماذ تاهامشت
ءيسين شام، ذاورانّام تاغاشت
[viii][viii]

وينتقل الشاعر من الهموم الذاتية والمحلية إلى الهموم الوطنية والإنسانية فيصور أفريقيا تصويرا تراجيديا ، مجسدا مأساتها المرعبة وفظاعتها المهولة. تلك أفريقيا الأسيرة المفجوعة في أولادها وأحفادها التي نهشها كلاب الاستعباد وساسة السراب وأصحاب الجاه والمال الذين حولوها إلى فضاء البؤس والجرب وأرض السواد والجفاف المقفر. فأرهقوها بالديون الكثيرة وقيدوها بالهموم وفضوا بكارتها . لكن الشاعر يطالب إفريقيا على غرار الشاعر السوداني محمد الفيتوري بأن تستيقظ حالا وأن تنهض لتأكل موجعيها، وأن تصرخ في وجوه الكلاب الشرسة، وأن تدك بأقدامها الدامية كل من يريد أن يسخر منها أو يبتزها أو يحاول استغلالها وتلويث شرفها، وتقف بالمرصاد في وجه كل من يريد أن يستعبدها أو يقيدها بطوق الذل والعار ليبيعها رخيصة تافهة في سوق النخاسة:

أفريقيا وي شام يارّين ذيجان تيا
گويسوم نام ءامزيوان ناهشان
ءيها گان خ ءيخسان نام تمارشان
ءاجنا نام يازواغ يبارشان
ثاروا نام ءوزغان هارشان
تراجان ءاس نواشن ءاذشان
أفريقيا أفريقيا
وي شام يارين ذي فري ءوقيا
[ix][ix]

ولم تنحصر أشعار الديوان في نطاق القصائد الملتزمة ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية والإنسانية، بل تجاوزتها نحو القصائد العاطفية كقصة "نونجا وعشيقها وافديص" التي تصور لنا تجربة غرامية رومانسية بين شاب أمازيغي فقير اسمه وافديص وعشيقته الغنية التي تسمى نونجة. وتبدأ هذه العلاقة بالتنافر وتنتهي بالهروب والوصال . وستصبح تجربتهما أنشودة الأطفال في مداشر الضياع والتهميش:

نونجا ذوافديص
ءاراوران خ ءوييس
نونجا ذوافديص
ءاروران س ءوييس
[x][x]

وينهي الشاعر ديوانه الشعري الأول بإيقاع الأمل والتفاؤل ولاسيما في قصيدته المستقبلية " تبرات ناغ/رسالتنا" التي يعلن فيها المبدع أمنوس ولادة فجر جديد واستشراف غد معسول قوامه التحدي والصبر والصراع الجدلي من أجل تحقيق الذات و الكينونة والحرية والوجود الحقيقي الذي يطمح إليه كل إنسان أمازيغي:

سناغ أم ثسناذ ثابرات ناغ ءاتاواذ
ءاتيشارا ءوحنجار، ءاتمغارث ،ءاذ ءومغار
سادو شار ءاتيما ءاتمغار
ءاتيسيمي تارياست، تزامار
ذاناغ غاياران ذي ذورار
....
ءاتورزو خشا يمذران
ماني سنوفان
تارياست ءومجاهد ءاماقران
ءاتخباش ءاگ ذرار ن ييسان
ءاطاف شان يخسان
توغا يان تفاوت ن ءوسان
[xi][xi]

وهكذا يبدو لنا الشاعر أمنوس متأرحجا بين الألم والأمل يجتر الخيبة والفشل والهزيمة والانتظار والسقوط. يثور على ذاته المحطمة وحياته المنكسة بذيول التشتت والاغتراب الذاتي والمكاني، تنخره الغربة والوحدة والعزلة الكئيبة في بلاد القر ويبوسة المشاعر وموت الإنسان.وبعد ذلك، يندب الشاعر واقعه المحلي الذي يذكره بالجذور الأمازيغية المحروقة، والهوية المطعونة بسيف الغدر والتهميش والإقصاء والنبذ. ولكن الشاعر لا يستطيع أن يعيش بلا أرض ولا وطن، يحن إلى أهله وأحبته وأمه الأرض التي يريد أن يستلقي بين أحضانها ووهادها المترعة.

ويحاول الشاعر أن يستنهض أفريقيا المشلولة المعطوبة لكي تشمر عن ساعدها، وتقف في وجه الطغاة والمستبدين وأعداء الشعوب الضعيفة. ويدعوها الشاعر بصوت صارخ كي تكسر قيود العبودية والذل والهوان لتستشرف غد الأمل المعسول وغد الحرية والانعتاق من الجبر الأسود والخنوع المفروض.
وتتسم قصائد الشاعر بالروح الثورية والبعد المأساوي الذي يترنح بالسوداوية والجنائزية. وتتحول القصائد الشعرية في الديوان إلى قصائد المرارة والبكاء والحزن القاتل. كما تحمل القصائد الشعرية رؤية أمازيغية إنسانية منفتحة، ولكنها تستند إلى اليأس والآمال المحطمة الموجوعة بالآهات والتحسر المغروس في أحشاء الإنسان الأمازيغي المنبوذ في أقاصي البلاد وجبال الفقدان والضياع.
وقد توفق الشاعر في الأخير في تمثيل مدرسة الشعر الاغترابي أحسن تمثيل؛ لأنه استطاع أن يعكس لنا بكل صدق المعاناة التي يعيشها الإنسان الأمازيغي المغترب الذي ظل سيزيفيا في وطنه المنهوش ومتشردا ضائعا في سجن الهجرة الملعون.

3- المستوى الفني:
يضم ديوان"ءيزران ءوريري/ أشعار المرارة" (12) قصيدة شعرية مختلفة من حيث القصر والطول، ومن القصائد الجميلة الطويلة" ءيمخومبار ن توذاث/ مشاكل الحياة"، و" أفريقيا" ، "نونجا ذ ءوفديص/ نونجا وأفديص"، و"ثوذات ءو متلوع/ حياة الإنسان الضائع".

ويلاحظ على قصائد الديوان أنها قصائد شعرية غنائية وجدانية بسيطة في تركيبها إلا قصيدة شعرية درامية مطعمة بالحوار وهي قصيدته" نونجا ذ ءوفديص"، والتي تتحول خاتمتها إلى أنشودة جماعية يرددها الأطفال.
ومن يتأمل قصائد الديوان فإنه سيجد مجموعة من الأغراض، فهناك قصائد ذاتية وعاطفية، وقصائد شعرية ملتزمة تتغنى بالهوية والأرض ومشاكل الحياة، وقصائد اجتماعية وسياسية بله عن قصائد وطنية وقومية وإنسانية.

وتتسم قصائد الديوان بالاتساق والانسجام والوحدة الموضوعية والعضوية التي تفرضها العناوين الاسمية الملتزمة التي تميل إلى الإيحاء والانزياح والتكثيف الدلالي والإحالة على جدلية المعاناة والأمل.
ومن حيث الإيقاع الخارجي، يستعمل الشاعر القوافي المقطعية الموحدة والتي يتغير رويها حسب كل مقطع. ففي قصيدة " ثوداث ءومتلوع" نجد القوافي التالية: الراء المضمومة، والميم المفتوجة، والميم الساكنة، والنون المضمومة. ويعني هذا أن الشاعر يزاوج بين تنويع القوافي في معظم قصائده الشعرية وتوحيدها في بعض القصائد الأخرى كقصيدته الطويلة" شا ذ شا/ حال وحال" حيث التزم الشاعر فيها بقافية موحدة ألا وهي الشين الصفيرية.
ومن القوافي التي يستخدمها الشاعر نجد: الميم والنون والراء والياء والشين والجيم والسين والدال والحاء والتاء والزاي...

ويكثر الشاعر كثيرا من اللازمة الشعرية في قصائده كقصيدة "ثابرات ناغ/رسالتنا "، وقصيدة" أفريقيا"... وهذه اللازمة الشعرية تضفي نوعا من الإيقاع الداخلي على القصيدة الشعرية إلى جانب المزاوجة بين الأصوات المهموسة والمجهورة التي تساهم في تحبيك الديوان وتأزيم مساره الانفعالي والشعوري. كما يقوم التكرار الوظيفي بدور هام في موسقة القصائد الشعرية وتبئيرها دلاليا وموسيقيا ونفسيا.

وتتنوع المقاطع العروضية في القصائد الشعرية فنلفي الإيقاع السداسي والإيقاع الثلاثي والإيقاع السباعي، بل يصل الإيقاع الشعري إلى تسعة مقاطع فأكثر، ويعني هذا أن الشاعر متحرر من العروض التقليدي أو الميزان الذي يسمى بــ"لايارا لايارا لايارا لابويا". كما يبين هذا أن الشاعر من رواد القصيدة الشعرية المتحررة من العروض الأمازيغي التقليدي المعروف في منطقة الريف.
وتتسم ألفاظ الشاعر بالأصالة وعبق التراث وليونة الاستعمال وبساطة التوظيف. أي إن الشاعر يشغل لغة مألوفة لدى سكان قبيلة قلعية، بعيدة عن الإغراب والتعقيد اللغوي. ويمتح الشاعر ألفاظه من معجم الطبيعة والسياسة والدين والتاريخ والذات والعاطفة.

ولايقتصر الشاعر على أساليب الإخبار في التعبير وكتابة الأشعار، وإنما يلتجئ في كثير من الأحيان إلى توظيف أساليب الإنشاء كالاستفهام والتعجب والاستغراب والاستنكار والنفي والشرط... وهذا التنوع الأسلوبي هو الذي يضفي على قصائد الشاعر الوظيفة الشعرية والإيحائية البلاغية.
وقد أرفق الشاعر ديوانه الشعري بشريط صوتي يسهل عملية القراءة على غرار الشاعر الأمازيغي الريفي سلام السمغيني، وهذه الطريقة مفيدة في تذوق الشعر الأمازيغي وتفكيك لغته التي قد تبدو صعبة لمن لم يتعود على الخط اللاتيني والكتابة اللسانية الفرنسية .

هذا، وقد اختار الشاعر أمنوس الخط اللاتيني في كتابة ديوانه الشعري على غرار فاظمة الورياشي ورشيدة المراقي وميمون الوليد ومحمد شاشا وآخرين لسهولة استعماله بالمقارنة مع الخطين: العربي وخط تيفيناغ...
وقد استعمل الشاعر أمنوس صورا شعرية رائعة تتقطر بعذوبة الانزياح ولذة الإيحاء وجمالية الصورة الرؤيا القائمة على الرموز المكانية والدينية والتاريخية والأسطورية، وتشغيل الصور المجازية القائمة على المشابهة في كثير من المقاطع الموجودة داخل الديوان، كما استخدم الكناية والتناص (قصة يوسف عليه السلام، وذكر جذور الأمازيغ وعلاقتهم باليمن والحبشة)، وتوظيف الأسطورة (توظيف أسطورة نونجة).
وينتقل الشاعر على مستوى الضمائر التداولية من ضمائر التكلم الدالة على الذات المقهورة المحبطة إلى ضمائر الغياب والخطاب التي تحيل على الغير الحاضر أو الغائب لاستحضاره تقريعا أو ندبا.

خاتمــــة:
وخير ما ننهي به موضوعنا هو أن الشاعر أمنوس هو شاعر المرارة والحزن، وشاعر الألم والأمل، يجتر المعاناة الذاتية والموضوعية، ومن جانب آخر يحمل في صدره هموم الذات والوطن والإنسانية بصفة عامة. ولا ننسى أنه شاعر ملتزم بالقضية الأمازيغية والهوية المحلية، يتغنى بالذاكرة الأمازيغية ويشدو بالهوية والتاريخ، ويسترجع أمجاد الريفيين ويستقرىء صفحات بطولاتهم، وفي نفس الوقت يثور على واقعهم المستلب الذي ينخره الغدر والإحباط . ولكن الشاعر لا يريد أن يبقى مقيدا بشرنقة اليأس والهزيمة المكلومة، بل يتحدى الحاضر وينظر بكل أمل إلى غد الحرية والتحرر والانعتاق من الاستعباد والجهل والظلم الاجتماعي والسياسي.

هذا، وقد عبر الشاعر عن هذه المضامين بأشكال شعرية من سماتها: الانعتاق من صرامة الإيقاع الكلاسيكي وسيمترية الميزان العروضي واستبداله بالتنوع الشعري وروعة القوافي المتماثلة أو المتقاطعة أو الموحدة على صعيد المقاطع أو على صعيد تدرج القصيدة الطويلة. كما تتميز قصائد أمنوس الشعرية بتنوع الأساليب وسهولة الألفاظ الموحية وجمال الصور البلاغية ودقة روعتها في التجسيد والتشخيص والتصوير المجازي والتناصي.



[xii][i] - التعريب:
من تعلم وتنور في بلدي
رموه في مكان بعيد
من كانت له القدرة
وضعوا له مصيدة
من اشترى مشعل النور
حفروا له الحفر للإيقاع به

[xiii][ii] - التعريب:
حياتي أصبحت مرة كالحنظل
أقضي حياتي في شرب الخمر والتدخين
أمي هناك تنتظرني خائفة باكية
ينتظرني الأولاد لكي أعود بالهدايا والنقود
أينما ذهبت في بلدان عملة الأورو
أطرد باللعنات
أعود إلى بلدي الفقير
ففيه ستنزع أمعائي وتعصر شراييني
نسيت الصلاة والدعاء
أعرف أن السماء لاتلد(لاتمطر)
حياتي لاتعرف الأفراح
لقد تحجرت قلوب الناس.

[xiv][iii] - التعريب:
اكتب
في بداية الكلام
سيهضم عظم العنق
في الخطوة الأولى
سأنفض الجهل
اكتب برموش عيني
اكتب نهاري وليلي

[xv][iv] - التعريب:
قالت لي الفتاة:
أريد أن أعرف
لماذا تركوني في الأخير
لماذا يحرسونني بالكلاب
أريد أن أعرف
من المسؤول عن السماء؟
من المسؤول عن الأرض؟
قل لي:
هل عندي نصيب فيهما؟
هل عندي نصيب في الحياة؟
هل يمكن لي أن أخطو خطوة واحدة فوق هذه الأرض؟

[xvi][v] - التعريب:
إذا كان كل ماتركناه أصبح مفقودا
يدخل بطون الوجوه البشعة المنتفخة
المثقفون منا في القوارب الخشبية
قيل لهم: أنتم لاتفوحون عطرا وبدون جدوى
لذلك غاب ابن موح
بينما دودوح اختار قارب الموت
أما من ظل متشبثا بالأرض فقد جعلوه معطوبا مشوها
سفينتنا العرجاء يقودها جاهل أعته

[xvii][vi] - التعريب:
واحد يملك سماء تقطر بالنقود
والآخر يملك رأسا مغلفا بالجهل
واحد يبيع الآخر
واحد يضع الفخ لأخيه
أو يحفر له حفرة للإيقاع به
واحد يأكل التين
والآخر يأكل الدود
قيل لهم: أنتم أتيتم من اليمن عبرالحبشة
وإذا قيل لك:
بأنهم عزموا على فعل شيء اليوم أو غدا
فإنهم سيفعلون

[xviii][vii] - التعريب:
ستعرفون شجاعة المعول الحاد
الذي كان يحمله الشريف أمزيان وعبد الكريم الخطابي
من المستحيل أن تضيع هذه الشهامة
قلب الحسيمة والناظور
يستحيل أن يتغير

[xix][viii] - التعريب:
عندما قدموا إليك
لم تكوني سوى مزبلة
كنسوك، وحولوك إلى وردة جميلة
وجدوك معطوبة عاجزة
حملوك، فصاروا لك عكازا تتكئينه.

[xx][ix] - التعريب:
من استعبدك يا أفريقيا؟
ينهشك العمالقة
ويمصون عظامك
سماؤك حمراء وسوداء
أبناؤك هزلى ومرضى
ينتظرون من يطعمهم
أفريقيا
من جعلك كهفا مظلما؟

[xxi][x] - التعريب:
نونجة وأفديص
هربا راكبين الحصان
نونجة وأفديص
هربا راكبين الفرس

[xxii][xi] - التعريب:
أعرف كما تعرفين بأن رسالتنا ستصل
سيقرؤها الابن والأم والجد
ستكبر تحت التراب
ستولد الشجاعة والقوة
بهما سنصبح جبالا عتيدة
ستبحث عن القبور
حيث تختفي
شجاعة المجاهد الكبير
ستنبش في جبال الخيول
قصد الحصول على بعض العظام
التي كانت بالأمس بمثابة مشكاة الأيام.

www.jamilhamdaoui.net





















Geen opmerkingen: